ما أصعب أن تجلس في غرفة هادئة بعد يوم مزدحم، وترجع بذاكرتك إلى الوراء، تتساءل: كيف دخل هؤلاء الأشخاص حياتي؟ هل كنت أبحث عنهم، أم هم الذين اختاروني في لحظة كان قلبي فيها مفتوحًا؟
كلنا خضنا تجارب مختلفة في علاقاتنا: صديق جاء صدفة وبقي سنوات، وآخر بحثنا عنه بلهفة ولم يكتمل الحلم معه، أحيانا نشعر أننا نختار بحُريتنا الكاملة، وأحيانًا يداهمنا شعور قوي أن الاختيار كان خارج إرادتنا، وأن الظروف والأحداث لعبت الدور الأكبر، فما بين الرغبة الحرة والعوامل الخفية يتأرجح معنى “الاختيار“.
لنبدأ من أيامنا الأولى؛ الطفل الذي ينشأ في بيت دافئ غالبًا ما يبحث عن أصدقاء أو شركاء يمنحونه نفس الأمان، وقد يهرب طفل عاش تجربة قاسية من كل علاقة تشبه ما مر به، أو يعيد تكرار دور الضحية بلا وعي في اختياراته المستقبلية.
هنا، يصبح القرار في العلاقات انعكاسًا مباشرًا لجذور الطفولة، ولهذا لا عجب أن نجد هناك أشخاصًا ينتقلون من علاقة لأخرى دون استقرار، أو يظلون في منطقة الحذر الدائم، يرتبكون أمام قرار القرب أو البُعد.
تأتي التجارب الحياتية كطبقات تتراكم فوق بعضها، مثل حلقة لعبة “حادي بادي” التي تبدأ بريئة، ثم تكبر لتصبح دائرة من القرارات والمشاعر والأحلام.
تجربة الفشل أو الخذلان تُغيّر نظرتنا للاختيار؛ فالشخص الذي تعرض لصدمة في علاقة ما قد يُعيد التفكير ألف مرة قبل أن يمنح قلبه مرة أخرى، العكس يحدث أحيانًا: هناك من يختار بعنف وجرأة، كأنه ينوي تحدي جراحه القديمة، فيقع في نمط علاقة ربما يؤذيه من جديد.
هنــا يصبــح الســؤال أعمــق:
هل اختياراتنا انعكاس لمن نحن عليه الآن، أم لمن كنا عليه قبل سنوات؟ هل نختار الآخرين لنملأ فراغًا في أرواحنا، أم لنشاركهم فائض الحب الذي نملكه؟
تروي إحدى السيدات عن صديقتها التي صادفتها فجأة في عيادة الطبيب، لتصبح بعدها رفيقة العمر، تقول: “لم أخترها، وجدت نفسي أنجذب إليها، حديث بسيط عن القهوة فتح لنا باب الصداقة… كأن الحياة أرسلتها لي في لحظة احتجت فيها لمن يسمعني.”
في مشهد آخر، يحكي شاب عن شعوره بعد انفصال مؤلم: “اخترت البقاء وحيدًا لفترة طويلة، ابتعدت عن كل من حاول الاقتراب، حتى جاء شخص لم يلح ولم يضغط، فقط كان يجلس بجواري في صمت محترم… هناك عرفت أن الاختيار ليس قرارًا عقليًا بالكامل، بل استجابة لموجات خفية من الطمأنينة.”
من الجانب النفسي، يؤكد العلماء أن الإنسان لا يعيش في فراغ، بل يحمل في داخله آثار التربية، وأصوات الكلمات القديمة، وشكل العلاقات الأولى التي مر بها، فالاختيار ليس فاصلة منطقية، بل نسيج متداخل من المشاعر والمخاوف والرغبات والاحتياجات.
كل قرار نتخذه في العلاقات يحمل قصة غير منشورة، وأحيانًا يحمل جرحًا نحاول معالجته أو رغبة في تحقيق حلم قديم.
كثيرًا ما يحدث أن يدخل حياتنا شخص في توقيت غريب، فنشعر أنه القدر يتدخل: “هذا هو! هذا من كنت أنتظره” لكن الحقيقة أن استقبالنا للآخرين يتوقف على درجة النضج والتجربة والظروف المحيطة، الشخص نفسه قد لا يكون الخيار الصحيح في وقت آخر، أو في حالة نفسية مختلفة.
وفي وسط كل هذه التعقيدات، قد تبدو لعبة “حادي بادي” التي كنا نلعبها أطفالًا شديدة البساطة، لكنها تحمل رسالة مهمة؛ أحيانًا، نحن بحاجة لشيء من التلقائية في الاختيار، أن نسمح للحياة أن تضع بعض الأشخاص في طريقنا دون مقاومة شديدة أو تحكيم مفرط للعقل.
لكن الحكمة تعلمنا أيضًا ألا نترك كل قراراتنا للصدفة، وأن نتحمل مسؤولية من نختار ومن نسمح له بأن يصبح جزءًا من تفاصيلنا وعالمنا الداخلي.
بوح إنساني كهذا يجعل اختيار العلاقات فعلًا عميقًا، لا يمكن اختزاله في معيار واحد؛ فنحن نختار لننتمي، لنحمي قلوبنا، لنصنع عالمًا صغيرًا يناسبنا وسط زحام الحياة.
ربما يكون الخيار الأمثل هو توازن دقيق: نصغي للطفل في داخلنا، ونأخذ رأي الحكيم فينا، ونبحث عن من يمنحنا الأمان بدون أن يكبت حريتنا… عندها يصبح اختيارنا في العلاقات خطوة نحو التصالح مع النفس وتجربة إنسانية تستحق التأمل.
وفي النهاية، من حقنا أن نخطئ، أن نعيد الاختيار، أن نستكشف من نحن عبر الآخرين الذين يمرون بنا، فالعلاقات ليست أحجارًا ثابتة، بل هي موجات تتغير مع الوقت وتجارب القلب.
وكل قرار نعيشه هو فرصة جديدة لرؤية أنفسنا من زاوية مختلفة… ربما نكون قد اخترنا يومًا وفق احتياجنا، ونختار في يوم آخر وفق نضجنا، وفي الرابع وفق الحلم الذي نكبر معه، هكذا تتشكل الحكاية، وتبقى لعبة الاختيار مستمرة!
من كتاب ” حادي بادي “







Leave a Reply